الصالحي الشامي

مقدمة المحقق 12

سبل الهدى والرشاد

ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم " حم تنزيل من الرحمن الرحيم . . حتى بلغ - قالتا أتينا طائعين " فقال له أبو سفيان : أفرغت يا محمد ؟ قال نعم ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمارة وركبتها وأقبلت هند على أبي سفيان : ألهذا الساحر أنزلت ابني قال : لا والله ما هو بساحر ولا كذاب " وأخرجه الطبراني أيضا . وروى البخاري ومسلم قصة أبي سفيان عند هرقل كما حدث بها أبو سفيان ابن عباس ومنها سؤاله لأبي سفيان هذا : " قال : فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال . قال : قلت لا " وفي آخر القصة يقول هرقل لأبي سفيان : " وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ، فزعمت أن لا فعرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله تعالى " . وأخرج الشيخان والترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما نزلت ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) صعد صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي يا بني فهر يا بني عدي لبطون قريش حتى اجتمعوا فقال : أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي ؟ قالوا : نعم جربنا عليك إلا صدقا قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ! قال أبو لهب : تبا لك يا محمد ألهذا جمعتنا فنزلت : ( تبت يدا أبا لهب وتب ) . من هذه النصوص يتبين لك أن الثقة بصدق محمد صلى الله عليه وسلم كانت متوفرة ولم يكن هذا الموضوع فيه شك أبدا وهذا الذي يعلل لنا : ظاهرة الإيمان به من قبل حاربوه واحدا فواحدا طوعا لا إكراها أمثال خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعمر بن الخطاب . . . ذلك لأنهم ما كانوا يشكون في أن محمدا صادق ، ولكن فاجأهم بشئ لم يسمعوا به هم ولا آباؤهم فأنكروه ، حتى إذا ذهب هول المفاجأة وحكموا عقولهم التقى صدق الفكر بالثقة الأساسية بشخص محمد صلى الله عليه وسلم فتولد عن ذلك إيمان . ظاهرة الإخلاص له بعد الإيمان : فبعضهم لم يؤمن إلا آخرا بعد أن غلب كبقايا قريش فإنهم أخيرا غلبوا للإسلام ، وكان يمنعهم من ذلك ثارات وأحقاد وشبهات وشهوات ، حتى إذا دخلوا فيه تسليما للأمر الواقع وإذا بهم مخلصون لرسول الله صلى الله عليه وسلم كأتم ما يكون الإخلاص ، ومتفانون في الإسلام بعد أن زالت عن أعينهم غشاوات ، من بعدها تبينوا أن محمدا هو الأخ الكريم والابن الكريم فكانت معرفتهم به وثقتهم بشخصيته أساسا لإخلاصهم في طريقهم الجديد الذي ساروا به بعد ذلك فرحين . وبعد فهذه شهادة خصوم : بعضهم أسلم بعد خصومة شديدة وبعضهم مات على كفره ولكن الجميع حتى في أشد حالات الخصومة كانوا مؤمنين أن محمدا صلى الله عليه وسلم صادق .